يبدو أنني لست وحدي من يخجل أن يقول لأمه "يمّه أنا بحبك"، شاهدت بالأمس فيديو قصير عن "ردود فعل الأمهات على تهنئة أبنائهم بمناسبة يوم الأم من خلال اتصال هاتفي بدون علم الامهات، والقول لهن، يمّة انا بحبك" كان المشاركون بالفيديو يقولون كلمة "بحبك" بكل خجل، والكثير منهم تحاشا النظر إلى عين الكاميرا، والكثير منهم خبأة وجهه بكف يده بعدما نطق بكلمة "بحبك"
حتى الكثير من الأمهات استغربن من سماع تلك الكلمة "يمّه أنا بحبك" فتباينت ردة فعلهن بين مُرحبة، ومستهجنة، وضاحكة ساخرة، إحدى الأمهات قالت لابنتها خلال الاتصال:"يمّة لو بتحبيني لمِّيلي الغسيل". لَمْ الغسيل هو حب أيضاً .. وشاب آخر قال لأمه على الهاتف: يمّة أنا بحبك. ردت الأم: ولا، شو مالك، طيب خير ايش في. ابنها شعرَ بحرج شديد.
وصبية أخرى، لم تستطع اكمال الجملة، حتى تساقط الدمع من أعينها. كانت الدموع في وجه الجميع ولو غلفها بضحكة خجولة، أو برفع صوته، إلا أن الحزن كان واضحا جدًا وهو يتسلل في الكلام والابتسامة، حزن مغلف بالحياء. لا أرى سبباً لبكاء الصبية، فالجملة "يمّة أنا بحب" جملة جميلة، والمناسبة هي عيد، ولكن هناك سر فينا، إذ تبكينا لحظات الفرح، أكثر من لحظات الألم .. إحنا شعب غلبان.
ما نخبئه من حب بداخلنا، إن لم نُخرجه بأي وسيلة، سيتسبب بموتنا، قلّة الحب تؤدي إلى الموت، المجازي ..
احضنو امهاتكم، قبلوهن، مازحوهن، أعلم أن الأمر ليس بالهين خاصة علينا نحن الفلسطينيون، وقد يكون صعب جدًا على شعب تربى على القسوة والجَلد وحروب متتالية .. فأنا لم أحضن أمي في حياتي سوى مرتين، وكنت أشعر بالخجل الشديد، حتى إنها شعرت بذلك، وكثيرا ما أكون أريد أن أقبل يدها، فأُخرجُ الفكرة من رأسي تمامًا، وفي الأعياد التي لا بد أن أقول لها كل عام وأنت بخير، أقولها وأنا أسكب الماء على وجهي، أو أشربه، أو أميل عليها بشكل قد يوقعها، أو أشد شعرة من شعرها، فتقوم هي بشتمي، فأقول لها أنا كل عام وأنتِ بخير .. المهم أن لا تأتي العيون في العيون، حينها لن تمضى تلك اللحظة إلا بالدموع والبكاء. حينما أقول تلك المعايدة، أشعر بأن جبلا كبيرا قد انزاح عن صدري، وإنني نجحت في مهمة شاقة، ربما لأنني لم أعتد على ذلك، أو ربما من فرط الحب .. والله لا أدري لماذا بالضبط.